المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لنقاش الجاد ثقافت القسوة سادت سادت مجتمعنا طويلاً فأنجبت جيلاً يتسلى بالعنف والقتل :



عبدالإله الغفيلي
28 Mar 2006, 09:58 AM
http://www.alwatan.com.sa/daily/2006-03-27/Pictures/123.jpg
سألت شاباً صغيراً انهال ضرباً على شاب صغير مثله، ـ وقد لفت انتباهي أن ضربه كان قاسياً جداً، حتى إن نده صار ينزف دماً، ويمتلئ بالكدمات، والجروح البارزة ـ لماذا فعلت به ما فعلت؟! ولماذا كنت تضربه بضراوة وكأنه من ألد أعدائك، أجاب الشاب، بعد أن انتهت المضاربة، وهدأ قليلاً: ليس هناك سبب محدد، كل ما في الأمر أننا نمزح معاً ونضحك، لكنني في لحظة من اللحظات شعرت أنه في مزاحه يقصد إلى إلحاق الإهانة بي، فغلى الدم في عروقي، وأظلمت الدنيا في عيني وفجأة وجدتني أقفز فوقه، وبكل قوة أوسعته ضرباً وصعقاً وركلاً حتى وقع أرضاً، وسال الدم من أماكن كثيرة في جسده.
في الشارع وبينما تمضي السيارات إلى شؤونها، مست سيارة أحدهم سيارة الآخر مساً خفيفاً، لم ينتج عنه ضرر كبير لا بالسيارة، ولا بالراكبين، لكنني فوجئت بأن كل واحد منهما يفتح باب سيارته غاضباً، في وقت واحد تقريباً، ودوت عاصفة من السباب والشتائم المتبادلة، تبعت ذلك الفاصل من البذاءات معركة بالأيدي، وبكل ما كان في متناول الأيدي، ولم تنته المعركة الحامية الوطيس تلك، إلا بتدخل أهل الخير من السادة العابرين، في حين كان الدم يسيل من وجه هذا وأنف ذاك، وأما ثيابهما البيضاء فقد تمزقت، وطار الشماغان كرايتين خفيفتين في الهواء والغبار!
صحفي يسأل شاباً يقبع خلف القضبان: لماذا قتلت ذلك الشاب! أجاب القاتل: أنا لا أعرف ذلك الشاب الذي قتلته ولم تكن بيننا معرفة سابقة على الإطلاق، كل ما في الأمر أنني كنت أسير في الشارع، فصادفت في طريقي هذا الشاب الذي كان يحدق في تحديقاً استفزني، فقلت له لماذا تنظر إلي هكذا، فنفى أن يكون يحمل قصداً سيئاً، لكنني تناولت خشبة كانت ملقاة على الأرض وضربته بها على رأسه ضربة قوية، كانت هي القاضية، فحمله الناس إلى المستشفى، بعدها عرفت أن الشاب فارق الحياة.
نادى الساكن بصوت عالٍ على حارس العمارة التي يقطنها طالباً منه أن يحضر من السيارة حاجة ما، الحارس لم يسمع نداء الساكن، فنزل هذا الأخير يتفطر غضباً وسخطاً، وراح يدبغ جسد الحارس بضرب عنيف، ظلت آثاره بادية أياماً، فيما أسرع الحارس الذي لا حول له ولا قوة يبكي بكاءً يمزق القلب.
في الصف انتهز الفتى انشغال معلمه بالكتابة على السبورة، بعد أن كان قد أوسعه هجاءً قاسياً أمام زملائه، وأغمد سكيناً كان يخبئه في حقيبته المدرسية في ظهر معلمه، الذي صرخ صرخة مدوية أمام تلاميذه، فيما أصيب جميع التلاميذ بذهول الفجيعة.
في المطعم الفاخر، تأخر الجرسون قليلاً على الزبون، لأن المكان كان غاصاً بالطاعمين، خصوصاً وأن الموسم كان موسم عيد، فما كان من الزبون الذي بدا غاضباً جداً، ومتوتراً جداً إلا أن استدعى الجرسون، وحينما مثل هذا الأخير بين يديه، بادره بصفعةٍ كانت مدوية أدارت أعناق كل من كان في المطعم الفاخر، فيما كان الزبون يصرخ غاضباً في ذلك الجرسون الطيب: لماذا لم تبت طلبي، يابن الـ، ؟!
استغلت تلك الفتاة التي أدركتها العنوسة نوم أبيها العميق فسارعت بوضع الوسادة على وجهه المجهد، وضغطت بكل ما أوتيت من قوة، حتى صار أبوها جثة هامدة.
اصطحب الشاب أباه العجوز في سيارته إلى منطقة بعيدة عن الأنظار، ووضعها على منحدر، وأشعل فيها النار، واكتفى بدفع السيارة بكل ما أوتي من قوة، لتتدحرج كما يحلو لها، ومضى، تاركاً أباه يتفحم.
احتجزت فتاة ساكني عمارة أبيها تحت تهديد السلاح صارخة في الناس الذين تجمهروا بأنها ستقتل رهائنها واحداً إثر آخر، لو حاول أحدهم أن يفعل شيئاً لتخليصهم، كما هددت بأن تطلق النيران على رأسها إن حاول أحدهم الاقتراب منها، لردعها عن هذا العمل الإجرامي الطائش.
ضاق الأب ذرعاً بابنه الذي لا يسمع كلامه، ولا يستجيب لنصائحه فقام بتعليقه في مروحة السقف، وراح يجلده كما تجلد البهائم، وضاقت أم من أطفالها الصغار الذين ملأوا حياتها هماً وكدراً، وأفسدوا أعصابها بشقاوتهم فعمدت إلى كي أجسادهم الغضة بالنار، تاركة آثار حروق عميقة على تلك الأجساد الطرية.
وضاق معلم ذرعاً بتلميذه الصغير، فراح يجلده بسلك الكهرباء جلداً عنيفاً، فيما كان الطفل يرتعد خوفاً ورعباً وألماً وجسده يلتهب تحت وقع تلك السياط الحديثة، وفي مشهد تلفزيوني، يحاكي برنامج الكاميرا الخفية أعد الممثل مقلباً في أحد شبابنا ولم يكن شاباً صغيراً مراهقاً، وإنما كان ثلاثينياً يفترض فيه الهدوء والرزانة فما كان من ذلك الشاب بعد أن كشف له الممثل حقيقة الأمر، وأنه محض برنامج فكاهي إلا أن انتفض انتفاضة الليث الهصور، وشرع يستخدم يديه القويتين ضد ذلك الممثل الباحث عن الابتسامة والبهجة والمرح.
وانطلق رجل يفترض فيه النضج والرصانة - بحكم سنه - وهو يقود سيارته غاضباً، ليدهس رجلاً آخر من جيرانه، وحينما نجا هذا الأخير من الدهس، ذهب إلى منزله، والتقط مسدسه، وعاد مسرعاً، ليفرغ رصاصتين في جسد ذلك الجار الذي أراد أن يدهسه قبلاً.
تلك القصص ليست من المخيلة، ولكنها من واقعنا الاجتماعي المليء بتلك الوقائع المؤلمة وغيرها، الأمر الذي جعلنا لا نكتفي بتسجيل تلك الوقائع، بل دفعنا لأن نجري استطلاعاً للرأي عن هذا العنف الذي يطال نسيجنا الاجتماعي كله، محاولين تقصي أسبابه، والوقوف على عوامل تفشيه، ووجدنا أن لذلك العنف أسبابه الجنسية كتصديق لنظرية عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد، الذي ربط الجنس بالكثير من النوازع النفسية.
وأكد لنا عدد من الشباب الذين قمنا باستطلاع آرائهم - هنا - أن كثيراً منهم تربوا على ثقافة العنف بدءاً من سنوات الطفولة الأولى، وذلك بتوصية من كافة أفراد الأسرة القاضية بأن يكون الطفل ذئباً في تصديه لأي اعتداء يستهدفه، بالإضافة إلى ما يعايشه الطفل من قسوة داخل العائلة، يكون بطلها الأب وضحيتها الأم، وقد يتكاتف الاثنان معاً لممارسة ثقافة القسوة على الأبناء، مشكلين مناخاً عنيفاً صارماً يجعلهم ينظرون إلى العنف على أنه محض سلوك اجتماعي عادي.
وثمة من ينظر إليه على أنه قاعدة انطلاق لابد منه للتصدي للآخر، فمثلاً الشاب الذي يخرج من بيته مشحوناً بثقافة عنفية لا يطيق أن ينظر إليه أحد، بل إنه مؤهل لتفسير النظرة العادية أو تحميلها معاني عدائية تدفعه للانقضاض على من أطلق نظرته إليه والتي قد تكون بريئة وغير ذات هدف أو قصد سيئ وقد يؤدي ذلك الانقضاض المباغت إلى إزهاق روح بريئة وهذا ما حدث في الواقع فعلاً.
محمد الحشيري (29 سنة) أعاد ثقافة العنف التي تحاول ترسيخها بعض الأسر في أبنائها إلى غياب الوعي الحقيقي بخطورة تلك الثقافة، فثمة آباء تربوا على القسوة وتشبعوا بثقافة الجلد وبالشدة، وبالتالي لا يرون بديلاً عنها في تنشئة الأبناء، وظلوا يلحون عليها كثيراً أمام مسامع أبنائهم، الأمر الذي يجعل الابن يغادر المنزل صباحاً إلى المدرسة وهو في حالة شحن عصبي كبيرة وكبتٍ هائل، ليس بوسعه تفريغه داخل المنزل، فيلجأ إلى تفريغه خارج المنزل، وينعكس هذا على تصرفاته مع زملائه، ومع السائرين في الطرقات، وحتى عند قيادته السيارة، فما إن يخطئ بحقه أحد السائقين حتى تجده يبادر إلى الانتقام فوراً، باللفظ العنيف القاسي، أو بالدخول عليه بسيارته بطريقة خطرة جداً، وربما يتطور الأمر فيتحول إلى عراك بالأيدي، وقد تسيل الدماء.
ويرى الحشيري أن الحل يكمن في زيادة جرعات التوعية عبر وسائل الإعلام، خصوصاً المرئي منها، ويرى - كذلك - أن على عاتق المدرسة يقع العب الأكبر في نشر ثقافة التسامح بين الطلاب.أما صدام نعمان ( 18 سنة) فيقول إن عنف الشاب أو سواه يعتمد على الحالة النفسية التي يغادر بها المنزل، فإذا ما غادر المنزل وهو في حالٍ نفسية ومزاجية جيدة، فإن مساحة التسامح تكون أكبر، وقد يعتذر لمن يرتكب في حقه خطأ، سواء أثناء القيادة في الطريق، أو في الفصل الدراسي وما إلى ذلك، ويتفق نعمان مع الحشيري في أن للمنزل دوراً مهماً في تنمية ثقافة العنف لدى الفرد، أو الحد منها، ومضاعفتها يقول "إذا ما أحسنت الأسرة تربية الابن، وقامت بتعويده على الاعتذار لمن أخطأ بحقه سواء داخل الأسرة أو خارجها أي المجتمع، فإن هذا الابن سيحسن التصرف وسيقابل الآخرين بكل رحابة صدر، ولطف، وكياسة، أما إذا اعتاد على مفاهيم الانتقام داخل الأسرة، فإنه سيقوم بتطبيقها على الغير في الفضاء الاجتماعي، ولن يدع أي احتكاك مهما كان تافهاً وبسيطاً يمر مرور الكرام، بل سيعمد إلى مفاقمته ليصبح مشكلة".
ويرى لقمان أيضاً أن للأصدقاء دوراً في تغذية روح الكراهية وترسيخ العنف ضد الآخر، وكذلك في تشذيب هذه النزعات العنفية والحد منها، وكل هذا يعود إلى الأدبيات التي تربى عليها هؤلاء في بيئتهم، وإلى الأخلاقيات التي شحنوا بها وإلى الطبائع التي تطبعوا عليها.
ويلفت نعمان النظر إلى أن بعض الأصدقاء قد يقومون بتحريض صديق لهم على الرد العنيف، والاقتصاص السريع من الخصم، فإذا لم يستجب لتحريضهم فإنهم يعتبرونه جباناً، وقد يصفونه بأنه امرأة!! أو غيرها من المفردات التي قد تخدش رجولته وعنفوان شبابه وفق مفهومه الضيق، مما يثير حنق الشاب، فيندفع لممارسة عنف أعمى ضد الآخرين لإثبات رجولته، حتى لا يكون موضع تندر وسخرية من زملائه، خصوصاً عند قيادة السيارة مع مجموعة من الأصدقاء.
ويرى صدام لقمان أن الحل بيد الأهل الذين عليهم التعامل بهدوء مع الابن، لأن العنف يولد العنف، ويؤكد على أن دور الأسرة هو الدور الأهم، فمؤسسة الأسرة يقع عليها عبء كبير لجهة تنشئة الأبناء تنشئة سوية، ومتزنة وخالية من العقد، والأزمات، والاحتقانات.
ويضيف " أن الشخص المسالم والوديع، يحصد نظرة سلبية من أقرانه، ويرون أن يصبح صيداً سهلاً لاعتداءات الأجلاف لوجود انطباع بأنه لن يحرك ساكناً، ولن يصد عن نفسه الأذى، ولن يقابل أي إساءة بردود أفعال عنفية أو احتجاجية، فضلاً عن أن التظاهر بالقوة والبأس الشديد أصبح ديدن الشباب في هذا الزمان، الذين لا يتورعون عن إطلاق الألفاظ النابية والحادة والقاسية في وجه من لم يرق لهم، وهم دائماً يسارعون إلى استخدام أيديهم من دون ترو أو تفكير".
ويقر حازم محمود ( 22 سنة) بتفشي العنف بين أفراد مجتمعنا، ويرى أنه يتباين في الحد والقسوة من مدينة لأخرى، ومن حي لآخر، ويقول "المدن التي تسود فيها الثقافة الريفية أو العشائرية أو القبلية تكون أكثر ميلاً إلى العنف، بل يكون العنف هو التسلية الوحيدة للقاطنين بها، وثمة من يفتعل المشاجرات مع الآخرين بسبب وبدون سبب، ولأتفه الأسباب، وفي المجتمعات التي تسود فيها الأمية فإن أفرادها يكونون غير متعلمين، ويكون أفقههم ضيقاً، وهؤلاء يميلون ميلاً غريزياً إلى العنف، وسرعة البطش، بل إنهم يستخدمون أيديهم مباشرة، ولا يحسنون التفاهم أو إجادة الحوار ولا يعرفون طريقاً إلى التسامح والعفو عن زلات الآخرين، ويعتبرون ذلك من قوام الرجولة الحقة".
ويضيف " في جدة مثلا ترى الشباب الذين يسكنون في جنوبها وشرقها أكثر ميلاً للعنف، وهم على استعداد تام في أي لحظة للاعتداء على الآخرين، خصوصاً في أوقات الانصراف من المدرسة، أو في نهاية مباراة في كرة القدم، وغير ذلك، فهم يعتدون بالعضلات، وإبراز مكامن القوة، ويتباهون بذلك تباهياً ملحوظاً، وهناك من يغذي هذه الروح من الناس الذين سرعان ما يتجمهرون، ويذكون نيران الشجار، ويشعلون الفتنة بين الشباب، فتثور ثائرتهم، وينطلقون في مضاربات قد تسفر عن إصابات، وإسالة دماء للأسف".
ومما يساهم في تفاقم المشكلة - حسب ما يراه حازم - تلك العصبية التي يتمتع بها سكان بعض الأحياء ضد آخرين من أحياء أخرى، مما يدفع بالجهات الرسمية أحياناً إلى فض الاشتباكات، وإطفاء أوارها المشتعل، ويعيد حازم المسألة برمتها إلى الأهل تحديداً، كونهم ومنذ نعومة أظافر الابن يغذون فيه مفاهيم خاطئة، يتشربها، ويتصرف وفقها حين يشب عن الطوق، ودائماً ما نسمع من بعض الأهالي حض الابن على أن يكون ذئباً حتى لا يصبح ضحية للذئاب البشرية، ولا يبعد عن الذاكرة المثل القاتل "إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب" وهو وغيره شكلا جزءاً كبيراً من ثقافتنا المجتمعية للأسف.
ويذهب حازم إلى أن تربية الابن تربية هادئة أو ناعمة تصبح محط انتقاد المجتمع الذي اعتاد على التربية القائمة على القسوة والتسلط، بدليل أن الشخص الذي تقوم تربيته على ذلك النمط اللين، ينظر إليه بازدراء، على أنه سليل تربية ناعمة، أو تربية حريمية، وثمة من يطلق عليه مسمى المدلل أو البيتوتي وغيرهما من المصطلحات التي تؤثر على نفسيته تأثيراً سيئاً.
ويقول حازم جازماً إن مثل هذا الشاب الذي تلقى تربية هادئة وناعمة سيكون عرضةً للأذى من أولئك الذين تربوا تربية قاسية بوصفهم ذئابا، خصوصاً إذا كان الشاب وسيماً، أو ناعماً، ولا يحبذ العنف، ولا يرى القوة وسيلة ناجحة في حل المشكلات أو الأزمات مع الآخرين.
ويطالب عادل المغربي ( 25 سنة) الأكاديميين المعنيين بالبحث العلمي وبالدراسات الاجتماعية، والنفسية، أن ينزلوا من أبراجهم العاجية قليلاً، ليعملوا مشارطهم البحثية في العلل الحقيقية التي تكمن خلف كل هذا العنف، وكل هذه التأزمات التي باتت جلية في مجتمعنا، خصوصاً وأننا نشهد تحولات كثيرة على أكثر من صعيد، وتحديداً التحولات الاقتصادية وما بات يعانيه الشباب من أزمة التوظيف والحصول على مصادر دخل ثابتة ومحترمة، فضلاً عن البطالة التي يعاني منها كثير من الشباب، والتي تملأ الشاب بعدم الرضا، وبضيق الصدر، وتجعله ميالاً إلى التحطيم، أو الإساءة، والانتقام، أو ما يسمى بـ "فش الخلق في الآخرين".
الدكتور جرمان الشهري (متخصص في علم الجريمة) يعيد ظاهرة العنف برمتها إلى الطفولة - تحديداً - وما يتلقاه الطفل في تلك المرحلة المهمة من حياته من ثقافة، ويلفت انتباهنا إلى أن الألعاب الإلكترونية تلعب دوراً كبيراً في تثقيف الطفل وتشكيل وعيه وهندسة وجدانه، ويعتبرها من أكثر الوسائل خطورة على عقلية الطفل وعلى سلوكه، وطريقة تفكيره، ونظرته للآخرين وللعالم من حوله، ويرى أن هذه الألعاب بما تشتمل عليه من مضامين عنفية كالضرب والقتل، والسطو المسلح وسواه تكرس في أطفالنا ثقافة العنف، وترسخ لديهم ثقافة القسوة، بدليل أن أحدنا لو أغلق هذا الجهاز، فإن الطفل المستخدم له، سيثور في وجهه فجأة، وسيمارس كل أنواع الاحتجاج والصراخ والعنف اللفظي والفعلي، وكأن العنف نهج أساسي في الحياة.
ويرى الدكتور الشهري أن القنوات الفضائية أيضاً تلعب دوراً خطيراً بعرضها أفلاماً مليئة بالعنف الموجه، وكأن العنف هو المعادل الموضوع للواقع، أو كل الواقع مع أن العنف جزء من الواقع ومن الحياة وليس هو الحياة كلها.وبما أن لاعبي الكرة أصبحوا هم قدوة للأطفال والفتيان في مجتمعنا، بحكم التكريس الإعلامي، والإلحاح الدائم لحضورهم على الشاشة التي غزت كل بيت، فإن الدكتور الشهري يرى أن لمباريات كرة القدم، وما نراه من تصرفات عنيفة من بعض اللاعبين ضد بعضهم، أثراً واضحاً على الأطفال والمراهقين، فهم يقلدون هؤلاء اللاعبين ويتشربون منهم كثيراً من السلوك العنيف، خصوصاً وأن الشاب مدعو اجتماعياً للأسف لإثبات رجولته، وبالتالي يرى في العنف والقسوة والمشاجرات دلائل ثابتة على رجولته وعنفوانه.
ويلقي الدكتور الشهري باللائمة على الصحافة تحديداً، خصوصاً تلك التي لا تتردد في نشر الجرائم التي تحدث في المجتمع بكل تفاصيلها، ولا ترى ما يمنع من إعطاء الصور الإجرامية مساحات كبيرة أثناء النشر، يقول " قبلا كانت الصحافة لدينا لا تقوم بنشر كافة الوقائع الإجرامية التي تحدث في مجتمعنا، وكانت تعتبرها غير قابلة للنشر، ولكنها الآن أصبحت تميل إلى نشر كل الوقائع الجرمية بعد أن أصبحت الجريمة أمراً واقعاً، ولهذا انتقد هذا الاتجاه، وأرى أن تتثبت الصحافة المحلية من هذه المسألة، وأن تحتفظ لنفسها بالمصداقية، وأن تتأكد مما تنشره، ومن آثاره على المتلقي خصوصاً المراهقين الذين قد يتأثرون بسرعة بتلك الصور، أو بتلك الحكايات التي تقطر دماً" مشيرا إلى أن العنف الذي يحدث في مجتمعنا لا يعتبر إلا جزءاً من الواقع ولا يمثل الواقع كله.
ويعيد رئيس التربية الإسلامية بكلية التربية بجامعة أم القرى وأستاذ الأسس الفلسفية والاجتماعية للتربية الدكتور نجم الدين أنديجاني العنف في مجتمعنا إلى العامل الوراثي، وإلى التركيبة المزاجية للشخص، ويؤكد على أن بعض الأسر تحمل جيناتها الوراثية جانباً انفعالياً، وهذا ينعكس بالتالي على تصرفات الأطفال، فالطفل لا يستطيع أن يتحكم في هذا أبداً لأن المسألة متعلقة بالجينات وهو ليس له يد فيها، ومع هذا - يرى أنديجاني - أن للتنشئة الاجتماعية الصحيحة دوراً مهماً في تعديل سلوك الأطفال، وتوجيههم بطريقة تحد من الحالة العنفية المكتسبة لديهم.
يقول الدكتور أنديجاني "التنشئة الأسرية مهمة جداً، فالطفل الذي ينشأ في مجتمع تسوده الانفعالات الأسرية، وخصوصاً تلك التي تحدث بين الزوجين يتأثر بمحيطه هذا، وينعكس ذلك على حياته وسلوكه، فإذا ما شاهد الطفل الأبوين يمارسان ضد بعضهما سلوكاً عنيفاً بالفعل أو بالألفاظ البذيئة القاسية، فيختزن الطفل في ذاكرته كل هذه الأحداث، وتحديداً في اللا شعور، وحينما يكبر يظهر هذا العنف واضحاً بكل تجلياته القاسية" مشيرا إلى أن مرحلة الطفولة المبكرة لها دور مهم في تحديد نمط حياة الطفل، وسلوكه.
ويلقي الدكتور أنديجاني المسؤولية أيضاً على عاتق تلك القنوات الفضائية التي تعرض لمشاهديها أفلاماً مليئة بمشاهد العنف والضرب وكل صنوف القسوة، فتلك الأفلام - في نظره - تشكل وعي المتلقين، وخصوصاً الأطفال والمراهقين، مما يؤدي إلى تفشي العنف في المجتمع ككل، ويلوم الأسر التي تدع أطفالها ومراهقيها أمام الشاشة فترة طويلة، من دون أن تتدخل، أو تقوم بالتوجيه فهذا الإهمال نجني ثماره الحامضة فيما بعد أي حين يشب هؤلاء عن الطوق قليلاً.
ويرى أنديجاني أن المؤسسة التربوية المدرسة لها دور في تفشي العنف في المجتمع، فثمة معلمون وأيضاً معلمات يمارسون العنف على التلاميذ والتلميذات، فعلاً ولفظاً، بالضرب والعنف اللفظي الجارح الذي يحط من كرامة الإنسان، مما يؤثر في سلوك هؤلاء حين يكبرون كردود فعل عكسية احتجاجية على ما مورس ضدهم من عنف وقسوة.ويؤكد الدكتور أنديجاني أنه لا توجد توعية كافية في مجتمعنا للقضاء على هذه الظاهرة الآخذة في الاتساع، ويطالب بندوات تتناول هذا الجانب، ويحض وسائل الإعلام على القيام بدورها الاجتماعي التوعوي للحد من العنف وما يفضي إليه. منقول من صحيفة الوطن السعودية